السيد البجنوردي

354

القواعد الفقهية

وكان لا يبالي بما يفعل أو يقول أو يسمع ، ثم هداه الله وأراد أن يتوب عن جميع المعاصي التي ارتكبها ، فهل يحتاج إلى تذكرها تفصيلا ثم يندم على فعله وصدوره منه ويعزم على ترك كل واحد واحد تفصيلا ، أو يكفي الندامة على الجميع بنحو الاجمال والعزم على ترك الجميع كذلك ؟ لا شبهة في صدق التوبة بالنسبة إلى جميع المعاصي لو ندم عن جميع ما فعل وارتكب وعزم على ترك جميع المحرمات ، سواء أحضر صورها التفصيلية في ذهنه أم لا . وذلك من جهة أن التنفر من فعل شئ والعزم على تركه وأن لا يوجده يتحقق بعدم إرادة فعله ، فلا مانع من أن يتعلق إرادته وقصده بعدم إرادة إيجاد ما هو من مصاديق الحرام ، أو مما لا يرضى الله بفعله وإيجاده . نعم إيجاد مصاديق هذا العنوان العام - أي مالا يرضى الله بفعله مثلا - لا يمكن إلا بالإرادة التفصيلية لنفس المصاديق ، وأما الترك حيث أن تحققه بعدم وجود علته - أي عدم إرادة الوجود وعدم إرادة الايجاد - يكفي فيه قصد ترك جميع مصاديق ذلك العنوان العام ، فتحقق التوبة بقصد ترك ذلك العنوان الاجمالي . وفرق واضح بين إيجاد مصاديق العام وبين تركها ، ففي طرف الايجاد لا يمكن إلا بإرادات مفصلة لجميع مصاديق ذلك العنوان العام ، وأما في طرف الترك يكفي قصد ترك الجميع ، بأن يتعلق القصد والإرادة الواحدة بترك ذلك العنوان الاجمالي العام . والسر في ذلك : أنه في طرف الايجاد لكل مصداق يحتاج إلى وجود إرادة متعلقة به ، لأنها من مبادئ وجوده ، فبدونه لو تحقق يلزم أن يكون وجود المعلول بدون وجود علته ، وهذا محال . وأما في طرف الترك يكفي عدم إرادة ذلك المصداق ، وهذا المعنى يحصل بإرادة ترك ذلك العنوان الاجمالي ، ولا يحتاج إلى إرادة عدم كل واحد تفصيلا .